عبد الوهاب الشعراني
398
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
بسبعمائة دينار ليشتري بهما النصفين المذكورين ، فلما رأى البائع عزمه سامح الآخر بالبعض ، فقلت للفقراء الذين عندي اجعلوا له سبعا وادعوا له فقرؤوا تلك الليلة فنزل وهو ضعيف يتوكأ على عصا من بيته ، وقال ما مع أحد منكم أذن مني أن يقرأ لي ولا يقول اللهم ارحم عبد القادر أبدا ، وخلوا بيني وبين ربي رحمه اللّه تعالى ، وإلى الآن ما وجدت أحدا على قدمه بل كل من فعل خيرا للفقراء يكاد يستعبدنا ويأخذ جميع أعمالنا الصالحة إن كان لها وجود ولا نرضيه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إن اللّه تعالى يغار من محبة عبده أحدا غيره إلا بإذنه على الكشف والشهود ومتى أحب أحدا غافلا عن هذا المشهد فينبغي له الاستغفار ألف مرة فقد أذن الشبلي مرة فوقف عند قوله أشهد أن محمدا رسول اللّه ثم قال وعزتك وجلالك لولا أمرتني بذكر غيرك ما ذكرت سواك ا ه . ولا يخفى أن هذا كان من الشبلي حال سكره وغيبته ، وإلا فلو كان صاحيا لعلم أن اللّه تعالى أمرنا بذلك ، فإن المحمود إنما هو الغيرة للّه لا على اللّه . وهناك أسرار يذوقها أهل اللّه تعالى إذا صاروا لا يشهدون إلا اللّه تعالى فاعلم ذلك وتدبر فيه ، واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان والترمذي والنسائي مرفوعا : « ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحب إليه ممّا سواهما ، ومن أحبّ عبدا لا يحبّه إلا للّه تعالى ، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللّه منه كما يكره أن يقذف في النّار » . وروى مسلم مرفوعا : « إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول يوم القيامة : أين المتحابّون لجلالي ؟ اليوم أظلّهم في ظلّي يوم لا ظلّ إلّا ظلّي » . وروى الحاكم مرفوعا : « من سرّه أن يجد حلاوة الإيمان فليحبّ المرء لا يحبّه إلّا للّه تعالى » . وفي حديث الشيخين : « سبعة يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه ، فذكر منهم : ورجلان تحابّا في اللّه اجتمعا عليه وتفرّقا عليه » . أي اجتمعا على ما يرضيه وتفرقا على ما يسخطه ، فكان اجتماعهما بإذن وافتراقهما بإذن . وسيأتي في عهد تشييع الميت رواية الإمام أحمد مرفوعا بإسناد حسن : « والّذي نفسي بيده ما توادّ اثنان فيفرّق بينهما إلّا بذنب يحدثه أحدهما » . وروى الطبراني ورواته ثقات مرفوعا : « إنّ من الإيمان أن يحبّ الرّجل أخاه لا يحبّه إلّا للّه تعالى من غير مال أعطاه